ابن العربي
1034
أحكام القرآن
يتصرّفون بمشيئتهم ، ويحكمون بإرادتهم ، واختيارهم ؛ ولهذا قال مالك - فيما رواه عنه أشهب : ما أبين هذا في الرد على أهل القدر « 1 » : لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ « 2 » . وقوله تعالى لنوح « 3 » : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ؛ فهذا لا يكون أبدا ولا يرجع ولا يزال . الآية الحادية والخمسون - قوله تعالى « 4 » : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ . فيها تسع مسائل : المسألة الأولى - في ثبوتها : اعلموا - وفّقكم اللّه - أن هذه مسألة عظيمة القدر ، وذلك أنّ الرافضة كادت الإسلام بآيات وحروف نسبتها إلى القرآن لا يخفى على ذي بصيرة أنها من البهتان الذي نزغ به الشيطان ، وادّعوا أنهم نقلوها وأظهروها حين كتمناها حن ، وقالوا : إن الواحد يكفى في نقل الآية والحروف كما فعلتم ، فإنكم أثبتم آية بقول رجل واحد ، وهو خزيمة بن ثابت ، وهي قوله لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ؛ وقوله « 5 » مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ . قلنا : إن القرآن لا يثبت إلّا بنقل التواتر ، بخلاف السنة فإنّها تثبت بنقل الآحاد . والمعنى فيه أنّ القرآن معجزة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، الشاهدة بصدقه ، الدالة على نبوته ، فأبقاها اللّه على أمته ، وتولّى حفظها بفضله ، حتى لا يزاد فيها ولا ينقض منها . والمعجزات إما أن تكون معاينة إن كانت فعلا ، وإما أن تثبت تواترا إن كانت قولا ؛ ليقع العلم بها ، أو تنقل صورة الفعل فيها أيضا نقلا متواترا حتى يقع العلم بها ، كأنّ السامع لها قد شاهدها ، حتى تنبنى الرسالة على أمر مقطوع به ، بخلاف السنة ؛ فإنّ الأحكام يعمل فيها على خبر الواحد ؛ إذ ليس فيها معنى أكثر من التعبّد .
--> ( 1 ) في القرطبي : على القدرية . ( 2 ) آية 110 . ( 3 ) سورة هود ، آية 36 . ( 4 ) آية 128 . ( 5 ) سورة الأحزاب ، آية 23